الأحد، آب 14، 2011

وزارة الكهرباء وبجدارة حصلت على الوسام الذهبي

«صفقة فساد الكهرباء»: الشركة الألمانية تؤكد استمرارها بالعمل رغم إفلاسها

صيغة الطباعة


عن جدارة واستحقاق مدعوم بأدلة قاطعة، تتصدر الكهرباء قائمة الوزارات الأكثر فشلا في العراق، بل إن الفساد أضحى "ماركة مسجلة" لها كما يردد الكثيرون. لكن الصفقة الأخيرة التي تحدثت عنها الصحف العراقية باعتبارها "أكبر صفقة فساد في قطاع الكهرباء" لا تبدو بهذه البساطة.


تفاصيل الصفقة الأخيرة لوزارة الكهرباء ربما ستكون أبرز فصول الفساد في البلاد عموما، إذ كشف قبل أيام عن عقود قيل إنها "وهمية" تصل قيمتها الإجمالية لحدود ملياري دولار أميركي، أبرمتها الوزارة بشخص وزيرها مع شركة ألمانية مملوكة لرجل أعمال لبناني تبين أنها أعلنت إفلاسها في مطلع العام الجاري، وأخرى كندية موجود على الورق فقط.

هذه المرة لم يحصل ضرر بالمال العام حسب ادعاءات المسؤولين، كون الاتفاق مع الشركتين قضى أن تسدد قيمة العقود بطريقة الدفع الآجل.

وعلى الفور وقبل اكتمال التحقيقات، أمر رئيس الوزراء نوري المالكي بإلغاء العقود، فيما أفادت الأنباء الواردة من مكتبه بحصوله على "معلومات أكيدة وادلة قاطعة" على وجود فساد فيها.

عدم ضياع الأموال لم يشفع للوزير رعد شلال المنتمي لكتلة "الحل" أحد مكونات ائتلاف "العراقية" بزعامة أياد علاوي. فقد طلب المالكي من البرلمان إقالة شلال، وشكلت لجنة تحقيق لمحاسبة المقصرين على أن يقدم ملف التحقيق للقضاء. وطبقا للدستور، فان إقالة أي وزير لا تصبح نافذة إلا بعد تصويت مجلس النواب عليها وفي حالة قبولها فإنها تدخل حيز التنفيذ.

المالكي وقبل أن يصدر قرار الاقالة خاطب وزارة الكهرباء حول معلومات تضمنتها رسالة وصلت اليه من وزير تخطيط سابق عمل في عهد صدام، مقيم في مدينة فانكوفر الكندية. الوزير السابق قدّم وثائق تثبت توقيع وزارة الكهرباء عقود بناء محطات توليد الطاقة مع شركات تبين له أنها "إما وهمية لا وجود لها، أو مفلسة".

وفي حديث مع "نقاش" أشار علي الموسوي المستشار الإعلامي للمالكي، الى أن "الوزارة وطيلة أسبوع كامل لم ترد على استفسارات رئيس الوزراء حول قضية الشركتين"، وهو ما دفع المالكي لإقالة الوزير رعد شلال على يصادق عليها البرلمان لاحقا.

وأكد الموسوي على أن رئيسه اتخذ ذلك القرار "بشكل قطعي ولن يعيد النظر فيه".

قيمة العقد الموقع مع شركة (Maschinenbau Halberstadt) الألمانية والتي يرمز لها اختصاراً (M.B.H) وتبين أنها مملوكة بالباطن لشركة "صقر لبنان" اللبنانية، بلغ (550) مليون يورو لبناء خمس محطات للطاقة الكهربائية تنجز خلال 12 شهرا.

بينما ناهز العقد مع شركة (Capgent) الكندية ضعفي قيمة الأول ووصل لحدود مليار و(200) مليون دولار أميركي، وكان مفترض أن يتم بموجبه بناء عشر محطات كهربائية سريعة التشييد بطاقة مئة ميغاواط.

"نقاش" اتصلت بالشركة الالمانية التي رفضت الإدلاء بأي تصريح، لكنها أكدت على استمرارها في العمل رغم إعلان إفلاسها مطلع العام الجاري.

وتشير معلومات حصلت عليها "نقاش" إلى أن الشركة الألمانية (M.B.H) أشهرت إفلاسها أمام المحاكم الالمانية وفي الصحف المحلية، وان الأخيرة وفقا لقوانين الإفلاس المعمول بها، سلمت إدارة الشركة لواحدة أخرى مختصة بإدارة الإعسار هي "مولر وراوتمان" الامريكية.

وفي منتصف أيار (مايو) الماضي أصدرت الشركة الأخيرة بيانا أكدت فيه على أن الشركة الالمانية مستمرة في العمل، وأنها ستسدد دائنيها بمساعدة من "مجموعة صقر" اللبنانية، ما يعني أن من صلاحياتها توقيع عقود مع حكومات أو شركات أخرى.

أما الشركة الكندية، فلا تتوفر عنها معلومات وافية، كما لا تتوفر عناوين للاتصال بها على موقعها الألكتروني، أما عنوان مقرها على الانترنيت يعود في حقيقة الأمر لمكتب محاماة .

صحيفة "فانكوفر صن" اليومية، قالت أن المدير التنفيذي للشركة، وهو عراقي يحمل الجنسية الكندية يدعى مهند سمارة، وأن مقرها الرئيسي في الأردن.

وتساءلت الصحيفة عن المبررات التي تسمح لشركة سمارة، وموجودة فقط على الورق، ومختصة بالاستشارات فقط كما تشير وثائق التسجيل، بتسلم عقود إنشاء محطات كهرباء.

لكن سمارة امتنع عن اعطاء أية تفاصيل للصحيفة الكندية حول أسماء المساهمين الكبار والمقاولين في شركته متذرعا بـ "أسباب أمنية". وقال أنه يشعر بالـ "الدهشة" حيال مزاعم الاحتيال المتهم بها، مؤكدا أن "شركة Capgent تمول المشروع والحكومة العراقية لن تدفع أي فلس قبل أن يتم تنفيذ العقود وتشغيل المحطات".

فضلا عن ذلك أكد المدير التنفيذي أنه لم يسمع بموضوع إلغاء الحكومة للعقود الموقعة مع وزارة الكهرباء علما أن المقابلة نشرت في 10 آب أغسطس الجاري.

وكما هو الحال في قضايا الفساد السابقة دخلت التجاذبات السياسية على خط القضية الاخيرة التي يتهم فيها الوزير شلال الذي شغل منصب مدير محطة بيجي الحرارية ومن ثم منصب مستشار الشؤون الفنية والانتاج في الوزارة قبل استيزاره.

فقد انقسم رأي الأطراف السياسية بين مدافع عن الوزير من خلال الشهادة بكفائته، وآخر انغمس في كيل الاتهامات والانتقادات تجاه الوزارة والمتورطين في هذه القضية.

فريق الدفاع عن الوزير وعلى رأسهم قائمة "الحل" بزعامة جمال الكربولي، الذي اتهم سابقا بقضية اختلاس طويت صفحتها في عام 2008، رأوا أن إثارة القضية ما هو إلا "تصعيد اعلامي". كما وضعوا علامات استفهام على القرار "المبيت" للاقالة، كونه جاء بعد يومين على دعوات لمتظاهرين مدعومين حكوميا كانوا قد خرجوا في يوم الجمعة الماضي وطالبوا بإقالة الوزير.

بينما أوضحت القائمة "العراقية" في بيان صدر في 9 آب (أغسطس) الجاري أن "حسين الشهرستاني نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، هو المسؤول الاول عن ملف الطاقة بكل تفاصيله، ومعلوم للجميع أنه يتابع كل صغيرة وكبيرة في مواضيع الطاقة".

وأضافت أن "الأمانة العامة لمجلس الوزراء ورئيس مجلس الوزراء شخصياً يتدخلون في أمور التعاقدات كافة ولا يستطيع أي وزير أن يوقع عقداً هاماً دون الرجوع إليهما".

أما الفريق المنتقد، فيرى أن قرار الاقالة لم يكن اعتباطيا بل جاء بعد ان تيقنت الحكومة من صحة المعلومات التي وردتها بشأن هذه القضية عندما طلبت من سفيرها في كندا قبل ثلاثة اسابيع التحري عن احدى تلك الشركتين. ليأتي رد السفير "ان الشركة موضع التحقيق صغيرة ولا ترتقي لتكون شركة مصنعة.. وبهذا تكون عاجزة تماما عن الايفاء بالتزامتها التعاقدية".

القيمة المالية للعقدين الموقعين مع الشركتين تشكل ما يقارب نسبته خمسة بالمئة من حجم الأموال التي صرفت على إعادة تأهيل قطاع الكهرباء التي تقدر بـ (27) مليار دولار طيلة الثماني سنوات الماضية، فضلا عن ملايين الدولارات الأخرى التي صرفتها منظمات الإغاثة الدولية، وأموال المساعدات الأجنبية على هذا القطاع.

وتشير الدلائل الماثلة على الأرض إلى أن صرف هذه الأموال لم يحسن قيد أنملة من واقع القطاع الكهرباء في بغداد وبقية المحافظات، إن لم يكن قد ازداد سوءا بالمقارنة مع مرحلة ما قبل الغزو الأجنبي للبلاد.

فساد وزارة الكهرباء "ماركة مسجلة"


تغير وجوه الوزراء وتناوب الكتل السياسية على تسنم هذه الحقيبة المرتبطة بحياة المواطنين، لم يمنع من استمرار قضايا الفساد الشائكة وتحديدا في مقر الوزارة. وكان من المعتاد أن يلقي كل وزير جديد مسؤولية توقيع العقود الفاسدة وتردي الخدمات على سلفه الذي يغادر العراق فور إقالته أو استقالته.

بداية صفقات الفساد كانت مع عقود إطعام أفراد حماية أبراج وخطوط نقل الطاقة الكهربائية. واتهم في حينها أيهم السامرائي وزير الكهرباء في أول حكومة مؤقتة تأسست بعد عهد صدام، والنائب السابق مشعان الجبوري الذي كان يمتلك شركة تقدم خدماتها في هذا الإطار.

السامرائي أدين أمام المحاكم العراقية وألقي القبض عليه، لكنه تمكن من الفرار بعد أن اقتحمت شركة أمنية أميركية السجن الذي كان يقبع فيه داخل المنطقة الخضراء، وقامت بتحريره وتسفيره خارج العراق في ظل حماية وفرتها سفارة واشنطن في بغداد له.

بعد السامرائي جاء الدور على الوزير محسن شلاش الذي تسنم منصبه بين عامي 2005 و2006 إبان حكومة رئيس الوزراء الأسبق ابراهيم الجعفري الانتقالية، إذ حققت هيئة النزاهة معه بامور تتعلق بقضايا فساد حدثت ابان فترة توليه منصبه، لكنه هو الاخر نجا من المساءلة والعقاب بحكم الدعم السياسي الذي تلقاه من الكتلة التي رشحته، ليغادر البلاد بعد انتهاء مهمته وتبقى القضايا معلقة بذمته.

وبعدها جاء الوزير السابق كريم وحيد المحسوب على التكنوقراط لكن خبرته لم تنفعه في صد الانتقادات التي وجهت اليه واتهمته بالفشل في إدارة العمل بهذا القطاع الحيوي، وهدر المال العام، وتم اقالته تحت ضغط التظاهرات الشعبية. كما القيت عليه مسؤولية توريد لعب اطفال بصفقة كان يفترض ان تكون رؤوس توليد لمولدات كهربائية عملاقة، لكنه هو الاخر لم يتعرض للعقاب او المساءلة.

ومن بعده تسلم الشهرستاني الذي كان يشغل منصب وزير النفط في حكومة المالكي الاولى، كرسي وزارة الكهرباء بالوكالة وظل يديرها لعدة اشهر الى حين تم تعيين الوزير شلال في حكومة المالكي الجديدة قبل اكثر من خمسة اشهر من الان.

ومع تعاقب الأدوار والوجوه في هذه الوزارة وما رافقها من صفقات مشبوهة ومليارات مهدورة، تستمر معاناة العراقيين مع أزمة النقص الحاد في الطاقة الكهربائية التي عرفوها منذ أوائل تسعينات القرن الماضي.

الأزمة الكهربائية حدثت بعد أن دمرت قوات التحالف الشبكة الوطنية للكهرباء خلال حرب الخليج الثانية، وما تبعها من حصار اقتصادي أنهك البنية التحتية للبلاد دام 13 عاما وحتى سقوط النظام البعثي السابق في نيسان (ابريل) 2003.

والادهى من ذلك، لم تتم أي عملية صيانة جادة أو بناء منشآت جديدة لتلبية الحاجات التصاعدية الطبيعية للطاقة خلال فترة الحصار أو بعد السقوط، ووصل معدل قطع الكهرباء خلال الاعوام الاخيرة لأكثر من عشرين ساعة في اليوم الواحد في ظل درجات حرارة فاقت 50 مئوية هذا الصيف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق