الأربعاء، أيلول 14، 2011

تفاصيل استيلاء صدام على السلطة

الصراع على السلطة:كان هناك صراع خفي ظهر إلى السطح بين الرئيس احمد حسن البكر والنائب صدام حسين
على خلفية ما حدث في أربعينية وفاة الإمام الحسين نهاية العام 1977 ، التي أطلق عليها (أحداث خان النص) . هذا الصراع هو بالون اختبار حقيقي لصاحب النفوذ والقوة في قيادة الدولة العراقية، ما بين البكر المسن المعتدل أمام صدام الشاب المتشدد والمتعطش للسلطة .
أساس ظهور هذا الصراع الى العلن هو الخلاف على كيفية التعامل مع المتظاهرين الشيعة، فكان صدام يميل إلى سحق أي تمرد بالقسوة المفرطة لتكون درسا رادعا لكل من يقف بوجه "الثورة" ، في حين أن الرئيس البكر يرى العكس، ويميل الى استمالة الشيعة لأنه يعرف أن لهم ثقلا كبيرا في الساحة العراقية ومن الواجب التعامل معهم بالحسنى .
فضلا على أسباب أخرى ولربما أهمها أن البكر كان مريضا، وقيل أن مرضه خبيث وخطير وليس له علاج ابدا، وهو أمر جعله أكثر ليونة . في سياق ذلك يقال إنه كان يرى رؤى دينية، لربما بنتيجة تأنيب الضمير على التاريخ الاجرامي الطويل، وإنه جدد ضريحا وبنى مسجدا في احدى قرى الحلة قريبا من المدحتية.
المهم كان الرئيس البكر يريد التسامح وعدم القسوة مع ما حدث من أحداث في يوم الأربعين من شهر صفر ضدّ متظاهرين شيعة من كربلاء والنجف احتفلوا بمناسبة دينية.
جرى رمي المسيرة السلمية بالرصاص من طائرات الهليكوبتر، وهي في طريقها من كربلاء والنجف الى بغداد، ومن بقي حيا، تمكنت قوات الامن من اعتقاله جرى تقديمه الى محكمة خاصة. عيّن السيد عزت مصطفى العاني عضو مجلس قيادة الثورة في حينها رئيسا للمحكمة الخاصة التي نظرت في أمر ما حدث ، بالاشتراك مع حسن علي العامري وزير التجارة في حينها وفليح حسن الجاسم.
إقصاء عزت كان الدكتور عزت مصطفى العاني، والمحسوب على جناح الرئيس البكر، هو الشخصية الثالثة في تسلسل هرم السلطة السياسي، واتخذ قرارا برفض أحكام الاعدام المُعدة مسبقاً، كذلك كان قرار فليح حسن الجاسم الذي اغتيل بعد مدة قصيرة .
حسن علي العامري وحده وافق على أحكام الاعدام . وسيكون دوره جليا في أحداث شهر تموز 1979 ، إذ كان هو صاحب المعلومة الشهيرة ( قصاصة الورق الصغيرة ) التي أطلقت شرارة المجزرة.
على خلفية موقف اعضاء المحكمة جرى اتهام الدكتور عزت مصطفى بالتخاذل وحاول الدفاع عن نفسه بالاشارة الى ان ما فعلته القوة الجوية العراقية من دمار وقتل يكفي ، واستمر برفض التوقيع على احكام الاعدام ، وكان ذلك كافيا ليتم تجريده من كافة مناصبه الحزبية والرسمية ، وجرى تعيينه طبيبا في انحاء الرمادي، وتوفي بعد ذلك بمدة قصيرة من دون معرفة الاسباب . وهذا يدل على ان صدام تمكن من الضغط على احمد حسن البكر للتخلي عن الدكتور عزت مصطفى وتركه يواجه مصيره .

ومن المعلومات القليلة الانتشار ان عزت مصطفى العاني كان هو الرجل الذي يقف خلف نجاح " الثورة البيضاء" العام 1968، إذ كان يملك كلمة السر التي أوصلت البعث الى السلطة، هو نفسه ضابط الارتباط مع المخابرات الاميركية. وهي من الاسباب التي أدت الى الإسراع بموته.
 
وثيقة العمل القومي خلاف " احداث خان النص" تعمق اكثر بسبب وثيقة العمل القومي المشترك في تشرين الثاني 1978 التي عقدت بين العراق وسوريا بعد سنوات طويلة من القطيعة . الرئيس البكر كان متحمسا جدا لها، في حين كان نائبه صدام ينظر الى الامر بريبة وخشية لأنه رأى فيها سحب البساط من تحت اقدامه بهدوء. كان عليه أن يتحرك بسرعة، وقبل فوات الاوان، وفي الوقت نفسه كان مترددا . هل كان ينتظر شيئا ما ؟
من سير الاحداث ، ومن خبرته مع "الرفاق"، كان صدام يعلم أن الرئيس البكر لن يغادر موقعه في قيادة الدولة والحزب الحاكم إلا بعد ولادة دولة الوحدة العربية المصغرة بين العراق وسورية التي يحكمها جناحان من حزب البعث العربي الاشتراكي ، تحت قيادة حافظ الاسد. لاسيما بعد أن بدأت الكثير من الخطوات باتجاه التوحيد، مثل فتح الحدود وحرية التنقل باستخدام الهوية الشخصية وحرية العمل ونقل رؤوس الأموال والاستثمار وغيرها .
كان صدام يعتقد أن البكر يحاول استبعاده، بل ويسرع العملية لتجاوزه، وقطع طريق ما خطط له وكرس له حياته لتولي رئاسة الحكم .
 
وفهم صدام الرسالة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير أن البكر لوّح في بداية شهر حزيران 1979 بأنّ نظيره السوري حافظ الأسد الأكفأ لقيادة دولة الوحدة، إذ صرح لتلفزيون بغداد قائلا:
(إنني واثق من قدرات أخي الرئيس الأسد وما يتمتع به من حيوية وبُعد نظر في العمل على تدعيم وحدة القطرين العراق وسوريا بما يخدم الأمة العربية وحلمها المنشود ... في لمّ شملها ورص صفوفها) 
فهم النائب الرسالة وأدرك أن لابد له من حسم أمره ، إذ ان نيات الرئيس البكر أصبحت واضحة. وعلى الفور بدأت سلسلة من الاحداث، منها مقتل نجل الرئيس البكر (محمد) في حادث سير مفتعل مع زوجته وشقيقات زوجته على طريق بغداد- تكريت، حيث اصطدمت سيارته المسرعة بشاحنة تحمل الطابوق، ما أدى الى موت الراكبين، وكان محمد من الاشخاص الذين يعادون صدام ويعلمون بتطلعاته .
ثم جرى اغتيال المرافق الشخصي للرئيس احمد حسن البكر ، بعد ذلك جرى اغتيال المرافق الاقدم للرئيس احمد حسن البكر. الحوادث المأساوية المتلاحقة أفقدت البكر صلابته وجعلته في حزن دائم لاسيما بعد وفاة زوجته التي كان يحبها ، وقد ماتت بسبب قهرها على مقتل ابنها الذي كان مدير مكتب والده.
محمد البكر كان يعرف صدام حسين جيدا، وصدام حسين يعرف محمد جيدا، وكلاهما كان يخطط لاغتيال غريمه اللدود . الفرق أن صدام، كانت له خبرة في عالم التخطيط والمؤامرات وكان يعمل في هدوء ونجح في ذلك نجاحا مبهرا.
صدام يرفض زيادة الرواتبالرئيس البكر كان يتمتع بولاء الجيش له ، لأنه رجل خارج من رحم الجيش، في حين كان وجود نائب لا يرضى بانصاف الحلول ودموي، يثير قلق ضباط الجيش. إضافة الى ان النائب لم يكن له اي علاقة بالجيش، بل ولم يخدم الخدمة العسكرية الالزامية.
صدام تمكن من بناء جهاز المخابرات والاشراف عليه شخصيا، وتوصل الى زرع الرعب في خصومه وخصوم من يقف في وجه (الثورة!) . كل حركات البكر، وبقية "الرفاق" كانت مراقبة بشدة. جهاز المخابرات كان دولة داخل الدولة، ومسؤول عن جميع الانتهاكات وتصفية المعارضين، بما فيهم " الحلفاء" من كوادر الحزب الشيوعي العراقي.
مع ازدياد الواردات النفطية طلب البكر زيادة رواتب الضباط والجنود والموظفين والعمال الامر الذي قوبل برفض من النائب صدام ، كون الوقت غير مناسب، وهو امر سنجد اسبابه لاحقا. في 9 تموز 1979 وفي اجتماع لمجلس قيادة الثورة، وبسبب الكآبة التي يعاني منها الرئيس البكر، تحت ضغط إدراك حجم الاخطاء التي ارتكبها طلب الاستقالة من جميع مناصبه الحزبية، بحجة انه مريض. اعترض محيي عبد الحسين مشهدي، على قرار الرئيس وهو سكرتيره الشخصي اضافة الى مناصب الاخرى، وقال له: سيادة الرئيس ان صحتك بخير ولا داعي للاستقالة !
رد عليه الرئيس البكر بقسوة : وهل انت تعرف حال صحتي اكثر مني !
والبكر عدّ مداخلة محيي تدخلا في حياته الشخصية، وطلب إحالته الى التحقيق، على امل ان يحصل على عقوبة حزبية، لانه ناقش الرئيس. تقاليد الحزب " الثوري" لا تحب المناقشة مع القادة، وانما تقوم على مبدأ ( نفذ ثم ناقش)، وهو المبدأ الذي يسمح بظهور انتهاك الديمقراطية الداخلية، وبالتالي يسمح بنشوء الديكتاتوريات. وصدام استغل هذه الثغرة بشكل مثالي.
قال صدام حسين لكاتب سيرته الصحافي اللبناني فؤاد مطر لم يكن أحمد حسن البكر في وضع صحي ميؤوس منه ، لكنه كان لا يحتمل أن يأتي يوم يقرأ في أعين العراقيين وغيرهم تساؤلات عن وضعه، من نوع: ماذا ينتظر لكي يرتاح؟ وهل يريد أن يكون مثل الجنرال فرانكو الذي اختار من يخلفه، لكنه رفض حتى لحظة رحيله أن يتخلى عن الحكم؟ [كتاب: صدام حسين / السيرة الذاتية والحزبية ص(69 ـ 70 ] .
تقرير بريطاني
من الارشيف الوطني البريطاني، نقرأ تقريرا يوضح اوضاع المرحلة.
تقرير في 12 مايس 1977 يحمل الرقم
NBR1 011 ملخصه : الاشاعات تملأ بغداد عن ( اعادة ترتيب البيت العراقي ) في ضوء المرض الخطير الذي اصاب رئيس مجلس قيادة الثورة الأمين العام لحزب البعث احمد حسن البكر منذ الخريف الماضي على الرغم من ان الخليفة المؤكد هو نائبه صدام الذي يدير منذ مدة طويلة شؤون الدولة و الحزب نيابة عن البكر و بمساعدة عدد من الموثوق بهم.
ووصف التقرير صدام بانه ( شجاع وذكي لكن لا يؤمَن جانبه ) ويفتقد الشعبية الحزبية ويحاول ان يقلد عبد الناصر لكنه لا يملك طلته وبلاغته وقربه من الناس على الرغم من الجهود التي تبذلها الصحافة العراقية الرسمية وحتى صحافة لبنان المقربة من البعث العراقي التي تمول من اموال النفط العراقي.
واشار الى ان تعديل تركيبة وعضوية عدد من المؤسسات الحزبية والحكومية والتشكيلات الاخيرة في قيادات الجيش والشرطة تشير كلها الى ترفيع انصار صدام والموالين له وابناء عشيرته بهدف السيطرة كاملة على شؤون الدولة برغم ان زميلي السفير السوفيتي لا يتوقع تغييرات في القيادة السنة الحالية لانه لا يزال في الاربعين من عمره.
واشار التقرير الى ان المشكلة الكبيرة قد تحدث إذا مات صدام أو قُتل أو اصبح عاجزاً عن الحكم، عندها سيعود العراق الى الفراغ وسيعود العراقيون والبعثيون الى الاقتتال في ما بينهم كما ان الشيوعيين قد يعودون الى السطح من دون استبعاد ( ثورة شيعية ) للاستيلاء على جزء من السلطة او للحصول على حكم ذاتي في مناطقهم الغنية بالنفط، حسب تحليل السفير البريطاني. .
إختفاء أموال النفط العراقي قبل شهور قلائل شاهدت بالصدفة حوارا مع وكيل وزارة النفط العراقية اواخر السبعينيات من القرن الماضي، والذي قال بالنص : ( لا السيد وزير النفط تايه عبدالكريم ولا انا نعرف قيمة الصادرات النفطية). وعندما قيل له لماذا لا تعرف ؟ اجاب بصراحة شديدة : (الامر محصور بين اثنين صدام حسين وعدنان الحمداني ).
واكد بقوله ( لا نعرف اين تذهب الاموال )
هذا الامر يتطابق مع تقرير للسفير الانكليزي نحصل عليه من الارشيف الوطني البريطاني حول اموال النفط رداً على سؤال من الخارجية البريطانية ( ديفيد اون ) وزير الخارجية البريطاني الشاب في وزارة الزعيم العمالي (جميس كالاهان والجميع يعرف دوره في حرب تحرير الكويت .. وكيف سعى لاطلاق سراح الرهائن المحتجزين في العراق ، وحجم تقدير الرئيس صدام حسين له) ، حيث رغب السائل الى الاستفهام عما يفعله العراق بالفائض المتجمع من بيع النفط، لاسيما ان الموازنة العامة تقل بنحو 20 او 30 في المئة عن المردود النفطي.
اجاب السفير البريطاني في بغداد ( جون غراهام) بتقرير حرر في 2 شباط /فبراير 1977 يحمل الرقم
NBR4 011 ملخصه : إن جزءا من هذه الاموال تحول الى حسابات حزب البعث في العراق وعواصم عربية وبعض آخر الى موالين للحزب في بغداد وبعض لشراء ولاء عشائر. افاد السفير ان احداً لا يعلم حقيقة الاموال المجمعة لدى الحزب، ومن يديرها علماً بان اشاعات تتحدث عن ان اموالاً تُنقل بحقائب مع اشخاص ثقة لتودع في حسابات في بيروت من ثم يتم تحويلها الى الخارج، وفق سلسلة عمليات مصرفية معقدة يقودها احياناً بعض المصرفيين ورجال الاعمال اليهود المتحدرين من اصل عراقي والمقيمين في فرنسا وبريطانيا.
الحمداني والمؤامرة المزعومة
ان يكون الحمداني وصدام وحدهما من يعرف اسرار الحسابات السرية، يجعل من السهل معرفة تعرض الحمداني (لحادث) يودي بحياته، مثل سابقيه، على الرغم من ان صدام يحاول تغطية الامر تحت تعبير هو المدلل ( مدلل الحزب) وبكل دم بارد يذرف النائب دموعه الساخنة، ليختفي الوحيد الذي يشارك صدام اسرار الطريق الذي اختفى فيه مال الدولة .
ذهب عدنان الحمداني الى سوريا لينقل رسالة من صدام الى حافظ اسد قرأ الرئيس حافظ الرسالة جيدا ونظر الى عدنان الحمداني نظرة دهشة وسأله: (هل أنت مقتنع بأننا في دمشق شاركنا في هذه المؤامرة؟ ).
رد عدنان الحمداني : (لا علم لي .. هي رسالة عليّ توصيلها لك).
سكت الرئيس حافظ اسد برهة من الزمن وقال: (اخشى عليك رفيق عدنان)
ثم اردف قائلا : ( ابق بضعة أيام في دمشق وسترى العجب في العراق).
ضحك عدنان . وقال للرئيس حافظ : ( لديّ عمل اقوم به .. انا رئيس وزراء العراق القادم، وعليّ العودة الى بغداد فورا) .
ولم يستمع لنصحية الرئيس السوري.
 
غياب البكر عن القصر الجمهوري ....
يوما 10 و 11 تموز كانا محل استفهام في دائرة المحيطين بالرئيس احمد حسن البكر، قيل إنه اعتزل الحكم ورافق ذلك شائعات في الشارع العراقي المولع بالسياسة . قيل إن صدام حسين استدعى الامين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي ( منيف الرزاز) وأبلغه ان الرئيس البكر (زعلان) وهو معتكف في بيته، ويبدو انه قرر الاستقالة، واختار يوم 14 تموز لكي يعلنها في ذكرى سقوط نظام الحكم الملكي البائد . واضاف الى انه (صدام) قرر الاستقالة ايضا لانه لا يستطيع ملء الفراغ في ظل غياب البكر، وهو يحتاج الى دعم الرئيس البكر ودعمه شخصيا، وبخلاف ذلك يترتب على قيادة الحزب ان تختار ما ترى انه مناسب لقيادتها .
في نفس الوقت دخلت الاجهزة الامنية مرحلة الانذار القصوى .
وعقد الامين العام المساعد ( منيف الرزاز) اجتماعا في منزله حاول فيه تقريب وجهات النظر، غاب عنه الكثيرون.
 
جهود الفرصة الأخيرة ثم عقد اجتماع آخر في غياب البكر وصدام ترأس الجلسة المرحوم منيف الرزاز الأمين العام المساعد . واخذ ينظر إلى "الرفاق" كعادته إذ هو طيب القلب وكثير المجاملة . طرح على الحاضرين وجهة نظر صدام وطلب منهم البحث عن صيغة كفيلة بوحدة القيادة لان هذه المرحلة هي منعطف كبير وخطير.
انقسم أعضاء القيادة إلى فريقين :
الأول برز فيه محمد عايش، حيث طلب عقد اجتماع لمجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية للحزب يحضره الرئيس احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين وجميع الأعضاء، انطلاقا من انظمة الحزب، وتُناقش المشكلة فيه من جميع جوانبها بغية الوصول إلى حل لها .
الفريق الثاني الاقل عددا ،كانت له وجهة نظر أخرى، والغريب أنهم كانوا من اشد المناصرين للرئيس البكر، وفي مقدمتهم طه ياسين رمضان الجزراوي، وكان في الأساس (نائب ضابط) في الجيش العراقي ، وعمل في دار الرئيس البكر، في زمن ما حيث تحمل مسؤولية البوابة الرئيسة
إضافة الى عزت إبراهيم الدوري .. وكان رأيهم هو : (إذا كان الرئيس مصرا على الاستقالة فيجب العمل على إقناع نائبه صدام حسين بتولي الرئاسة مؤقتا، لحين الانتهاء من الاحتفالات بذكرى الثورة المجيدة والدعوة إلى عقد مؤتمر قطري موسع كونه أعلى هيئة حزبية في العراق لحسم هذه المشكلة).
كانت تفاصيل ما يجري في الاجتماع تصل إلى صدام حرفيا، الذي أدرك خطورة طروحات الفريق الأول وعدّهم حجر عثرة في طريق طموحاته، في نفس الوقت أدرك إن الفريق الثاني سيحقق طموحه الشخصي، الأمر الذي دفعه الى اصدار سلسلة من الأوامر السرية بتتبع كل مناصر للفريق الأول، بطريقة ( سري وعلى الفور) .
وتحركت اجنحة المخابرات والامن تجمع المعلومات التي كانت ناقصة في أضابيرها السرية. الجناح الاول هو جهاز المخابرات بقيادة برزان إبراهيم الحسن، الاخ غير الشقيق لصدام حسين، والثاني وزارة الداخلية بقيادة سعدون شاكر .
ولم يجد منيف الرزاز غير طارق حنا عزيز وحسن علي العامري لتبني فكرة الحل الأخير أو الفرصة الأخيرة لإقناع الفريق الأول بتأييد الفريق الثاني . ولكن (كان إصرار الفريق الأول لا يتزحزح). وفشلت جهود الفرصة الأخيرة.
.. وبدأ الجدوقبل الاجتماع الأول الحاسم كان سيل المعلومات العارم، قد حدد كل شيء والزمن يمضي سريعا الى حسم خيار القائد الجديد للحزب والدولة، لينذر بدمار آخر سيعصف بالعراق. لم ينتظر صدام حسين الفرصة ان تضيع منه، وكل شيء كان بمتناول يده، إذا لن تنفع "المسرحية السلمية" لايصال السلطة اليه، فلابد من الالتجاء الى السيناريو الآخر الذي كان بالانتظار.
كان الحرس الخاص عند الابواب ينتظر الاوامر المحددة سلفا والجميع يعرف دوره . وصدرت الاوامر . وحاول منيف الرزاز تلافي ما يحصل لكنه تعرض للضرب والاهانة الشديدة، وارشد ياسين، المرافق الشخصي للنائب استمر في مجالسه الخاصة يردد، وهو يضحك بسخرية، انه ضرب منيف الرزاز لكمة انسته كل تاريخ الحزب، وطلب منه التوجه إلى منـزله، وان لا يفتح فمه اطلاقا . كما هي العادة، توفي الامين المساعد بعد مدة زمنية قصيرة (؟) وقيل بسبب القهر.
جاء دور الرئيس البكر، الذي شعر بهزيمته وهو يرى القوات الخاصة في عصر السادس عشر من تموز تقتحم منـزله الواقع في منطقة (أُم العظام) المطلة على نهر دجلة بجانب الجسر المعلّق ، كرادة مريم : وحدات عسكرية من قوات المغاوير الخاصة يقودها برزان التكريتي، (اخ غير شقيق لصدام حسين) والعميد الركن طارق حمد العبد الله المرافق الأقدم للرئيس للبكر، وقيل بعد مدة انه كان يعاني من مرض نفسي، كان السبب في انتحاره (؟).
أُجبر البكر على ارتداء ملابسه وقيل ان القوات التي هاجمت قصر الرئيس تدفقت عليه من الباب الرئيس القريب من بوابة القصر الجمهوري . واقتيد الى مبنى المجلس الوطني، حيث اصطحبه صدام وبرزان الى دار الاذاعة والتلفزيون في الصالحية، التي كانت قد جرى تجهيزها لكي يعلن خطاب التنحي، حسب المسرحية المرسومة. وظهر الرئيس البكر وهو زائغ النظرات يتلفت نحو اليمين واليسار ويحاول السيطرة على اعصابه، ويغمره خوف شديد، بالكاد تخرج الكلمات من فمه وتلعثم كثيرا في نطق الحروف حتى ملامح وجهه تغيرت، واضطر اكثر من مرة الى بلع ريقه من الخوف، إذ على الاغلب يعلم "الطرق الثورية" التي أنهت حياة "الرفاق"، تنتظره ايضا، إذ ان قواعد اللعبة لا ترحم احدا. حتى حان وقت الكلام، فقال :
( ومنذ مدة ليست بالقصيرة كنت احدث رفاقي في القيادة عن حالتي الصحية التي لم تعد تسمح لي بتحمل المسؤوليات).
ثم قال وهو في قمة الارتباك :
( وانني أهنئ الأخ والرفيق صدام على تحمله شرف المسؤولية في قيادة الحزب والثورة ).
وغادر البكر مبنى التلفزيون بصحبة الاثنين ولم ينطق بحرف آخر .
ولاشك ان شعور النائب كان مزيجا من الراحة والترقب الحذر، إذ كان عليه مراقبة ردود الافعال. في حين أن الرئيس البكر كان في حالة يرثى لها، يحمل غصته في قلبه من غدر النائب له، وينتظر النهاية.
محيي عبد الحسين مشهدي لأن محيي عبد الحسين مشهدي ، بطل الفقرة التالية، لابد من القاء نظرة قصيرة عليه. ولد في بغداد / الكرخ محلة الجعيفر العام 1935 . درس في المدرسة الجعفرية، وقبيل حصوله على الشهادة الإعدادية اختلف مع والده . كان يريد إن يدخل كلية القوة الجوية ، إلا ان والده أصر على أن يدخل كلية الهندسة / قسم الكهرباء، لأنه كان من أشهر العاملين في تصليح الكهربائيات في بغداد ، الى درجة انه نال تكريم الوصي على عرش العراق الامير عبد الاله بن علي ساعة ثمينة ، يوم إنارة شارع الرشيد، لجهوده ، حيث كانت الكهربة ظاهرة جديدة في العراق، في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي ، وقد خسر اثنين من أصابع يديه بفعل حادث في أثناء تشغيل المولدة . وبسبب هذا الخلاف ترك محيي البيت والدراسة.
المناصب التي تقلدها : عضو مكتب العمال المركزي في حزب البعث العربي الاشتراكي، وزير دولة ... بلا وزارة 1974 .
وآخر مناصبه الرسمية والحزبية : عضو مجلس قيادة الثورة ، عضو القيادة القطرية للحزب (فرع العراق) ، أمين سر مكتب العمال المركزي للحزب ، أمين سر مجلس قيادة الثورة ، مدير مدرسة الاعداد الحزبي ، السكرتير الشخصي لرئيس الجمهورية (احمد حسن البكر).
مجزرة "الرفاق"
تسلم صدام حسين السلطة في 17 تموز 1979 في 22 تموز 1979 وفي قاعة الخلد عقد المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي مع التأكيد على حضور جميع الملاك المتقدم من دون اي استثناء. كان يوما مشهودا في تأريخ العراق. في هذا اليوم تحدد مصير العراق وندفع نتائجه اليوم انهاراً من دماء العراقيين.
اعتلى صدام حسين خشبة مسرح القاعة تحت وابل لا ينقطع من التصفيق، وخلفه مرافقه الشخصي صباح مرزا. وقف صدام حسين برهة ينظر الى الحاضرين وطلب منهم ترديد القسم معه، وقال (امة عربية واحدة) وردد الباقون (ذات رسالة خالدة)
قال وهو يوزع نظراته للحاضرين بحدة : (الرفاق اعضاء المكاتب الحزبية والفروع والشعب . والمتغيب من اعضاء المكاتب والفروع والشعب المسؤول عنهم يقول لنا من هو المتغيب منهم).
ساد الصمت في القاعة.
( اذاً الجميع حاضرون).
( رفاق كنا نتمنى ان نحضر معكم احتفالات شهر تموز. وعقدنا هذا الاجتماع الاستثنائي لكي يقتصر حديثنا على الجوانب المشرقة من تاريخ حزبكم، وعلى الاخص قيمكم النبيلة في مسيرة حزبكم ).
واردف قائلا : ( ولكن من المؤسف حقا ان يكون لقاؤنا بكم في هذه المناسبة لا يقتصر على الحديث في هذا الموضوع وانما يتعداه الى الجوانب السلبية والنقاط المظلمة في عقول الخونة والمتآمرين ).
وضع صدام يديه خلف ظهره واخذ يوزع نظراته في كل ارجاء القاعة وهو يقول : (أنا أعرف أنها ستكون صدمة نفسية عليكم ولكن عليكم ان لا تنسوا حقيقة مركزية ان الثورة التي تريد ان تنقل الشعب من حال الى حال وتأخذ على عاتقها دور الامة العربية لطرد الاستعمار والاستغلال والظلم فلابد توقع المؤامرة عليها . بما في ذلك اناس من المنتسبين لها).
وساد الصمت في القاعة مرة اخرى لا احد يعرف ما يحصل، والجميع لاحظ الوجود المكثف للقوات الخاصة خارج القاعة واعضاء المخابرات العراقية بلباسهم المميز (السفاري) والكثيف داخل القاعة .
صمت صدام ثواني ... ثم قال :
(كانت القيادة ومن فترة سابقة من الزمن ، وعلى وجه الخصوص منذ خمسة اشهر تتابع التخريب الذي يقوم به بعض الخونة في داخل القيادة مع اخرين موجودين الان في صفوفكم . وبرغم التنبيه والاشارات في اجتماعات القيادة وفي مناسبات شتى لكي يرعوي و ( يشيل رجله) من خط التآمر والتخريب مع ذلك بذلت القيادة صبرا خاصا لكي تجعل المتآمرين يأخذون مداهم والذي يجعل القيادة كلها ( تشوف بعيونها ) وتلمس بنفسها هذا التآمر .. وهذه الخسة ).
اخذ ينظر للحضور بعمق ... وهو يرصد ردود الفعل بدقة.
( كان في ذهننا ان ( نطول خلك ) اكثر برغم خطورة التآمر وراح تسمعون).
وابتسم وتحدث بهدوء ممهدا لشهادة مشهدي بعد أن استخدم لغته المعهودة من قبيل : ان الحق البعثي
لابد ان يعطى له مثل حد السيف بشكل فاصل كحد السيف لكي يطلب منه الواجب والتنفيذ بشكل قاطع وفاصل كحد السيف.
ثم تحدث بغموض عن رغبة احمد حسن البكر بترك السلطة وظهور آراء متعددة في القيادة،  ليصف باختصار دور (النظام السوري الخائن والعميل التي نؤكدها الان كما كنا نؤكدها في السابق والرسائل المتبادلة والخطط المشتركة بما في ذلك التدخل عسكريا من جانب سوريا عن طريق الاسقاط المظلي بملابس عراقية) .
وقال : (راح تسمعون كل هذا وارجو ان تتماسكون وتتمالكون اعصابكم وتضبطون نفسكم..) ونادى : يتفضل محيي (يحجيلكم) الامور التي اوجزتها لكم !
تسجيلات لم تصل
[وسحب صدام الورقتين من منصة الحديث والتي فيها رؤوس أقلام لما كان يود الحديث عنه وطواها بهدوء ونهض محيي عبد الحسين من مقعده وتقدم نحو خشبة المسرح وسط دهشة الحاضرين وذهولهم.
ارجو التمعن في ملامح محيي وهو ينظر الى صدام] .و سرعان ما قال صدام : (ما أريد من المؤتمر ان نغلقه دون الاستماع للاخرين).
اعتلى محيي الخشبة واقترب من صدام وقال صدام للحاضرين :
(( ان شاء الله نرسل لكم تسجيلاتهم في وقت لاحق حتى تستفيدون من الدروس).
[تنويه : لم تصل التسجيلات الى اي احد قط ].
وتوجه لمحيي قائلا (اتفضل هنا محيي) وهو يشير الى منصة الحديث وكانت لحظات فاصلة بين الرجلين . سارع صباح مرزا ..(هنا محيي)..[ وهو يشير للمنصة بيده اليمنى وجلس صدام على كرسي امام منضدة خشبية وضعت على المسرح بعد ان رمى الورقتين عليها بقوة وقدم له كأسا من الماء]. نظر صدام الى محيي قائلا له : (ليس شرطا ان تقرأ الكلام الذي في الورقة خذ راحتك بالكلام ).
ورد محيي .. نعم ثم قال : ( ايها الرفاق ماسأقوله الان بمحض ارادتي دون اي ضغوط او تأثيرات قطعا ).
في سنة 1975 فاتحني المجرم ( محمد عايش ) عندما كنا في مكتب العمال المركزي معا لكي انضم الى تنظيم سري هدفه الاساسي في البداية بلورة وتكوين رأي حزبي عام يتعاطف مع هذا التنظيم السري وقيادته من خلال التأثير عليه نفسيا وماديا في المرحلة الاولى عبر الاتصالات الفردية التي كنا نقيمها معهم ).
[كانت علائم الارتباك واضحة على المشهداني، يبلع ريقه باستمرار ويتلعثم بالكلمات وينظر الى سقف القاعة وكأنه يحاول قدر استطاعته تجنب نظرات من كانوا في القاعة].
ثم قال : ( وطبيعي أن الصلات الفردية في اللقاء اخذت اشكال مختلفة مثل دعوة عشاء وتناول الكحول او الاستدعاء بشكل شخصي للتأئير على الشخص اضافة الى غرس الشعور في نفسه انه مغبون وهو يستحق اكثر من منصبه هذا . وكان المخطط في البداية تغيير النظام بالقوة عبر انقلاب عسكري في البداية اخبرني المجرم محمد عايش انه كان مرتبطا ...).
ثم صمت والتفت الى صدام حسين وقال له: (هل اذكر الاسماء؟)
فرد عليه صدام ( احجي مثل ما قلته لنا في القيادة )
(( نعم كان ارتباط المجرم محمد عايش في البداية مع المجرم غانم عبدالجليل. محمد عايش صعد في نهاية 1975 الى قيادة التنظيم السري).
صدام طلب من صباح مرزا سحب الورقة التي امام محيي. اقترب صباح مرزا من محيي وسحب الورقة التي كانت امامه وناولها الى صدام . الذي قال لمحيي : ( انت لا تحتاج الى الورقة لانك عندما حدثتنا في القيادة لم تكن امامك ورقة لان ذاكرتك قوية كما اعلم ).
فرد عليه محيي :... نعم!
قصة لا تصدقاحنى محيي رأسه بعد ان وضع كلتا يديه على المنصة وسحب نفسا عميقا ونظر الى سقف القاعة ومرت الثواني طويلة على صدام ومحيي صامت مشتت الذهن قال له ( تكلم ) ... فرد عليه محيي سريعا : نعم!
وقال بارتباك شديد : ( اخبرت الـ ... سئلت الحقيقة .... احد المرات بالضبط محمد عايش حتى اعرف هل هذا الارتباط حديث ام لا . الحقيقة هي اكثر من مرة سألته فقال ان هذا الارتباط من زمان بس لا تلح ... بعدين تعرف فيما بعد ... وكان في كل مرة جوابه في هذا الاتجاه . وحين سألته عن الارتباط بالنظام السوري وعلاقته بحافظ اسد مباشرة).
تلعثم محيي كثيرا ويبدو ان ذاكرته لم تكن قوية لكي يحفظ التلقين جيدا .
(( قال انا حققت .. حققت اول لقاء ... او اول لقاء اتذكر اول لقاء حققه على اساس ( بلع ريقة ) وره .... وره .... يعني ييـ العفو ..... قبل ... قبل .... صعوده .... قبل صعوده للــ للقيادة ... لقيادة اللجنة هاي ... لجنة التنظيم السرية ... التي تمهد للانقلاب على المدى البعيد ))
صمت محيي لثواني وجر حسرة .. كانت واضحة في صوته نقلها المايك للحاضرين
(( قال سويت صلة ... يبدو .... اوو ... رايح متصل بـ .. بـ ... شقيق بأخو الــ .. الــ .... يعقوب كوشان باحد اشقائه ... هو متصل به اثناء زياراته عام 75 ..... الى الموصل ... وقال من خلاله .... الـ ... اصبح حركة الوصل .. اصبح حلقة الوصل ... وانا سألته ما هو اسمه قال اسمه حازم يونس من خلاله وصل الحدود ودخل سوريا .... واتصل مباشرة بالمدعو احمد ذنون والظاهر ان احمد ذنون هو احد القياديين .... احد العناصر القيادية في المنشقين ).
[والامر الاكثر غرابة ان محيي كلما يذكر اسم يركز نظره على المنصة]
يبدو ان هناك ورقة اخرى غير التي سحبها المرافق صباح ورقة فيها الاسماء الواجب ذكرها !
( ويبدو حسب ما اخبرني .. كان طلب من لجنة ... اللجنة القيادية السرية ان تكون علاقتها ثابتة ودائمة مع النظام السوري لكي تطلب معاونته . ثم رجع الى بغداد استمر هذا الحال عبر الاتصالات مع احمد ذنون وايصال رسائل وردود وكان يحصل على توجيهات وتعليمات كان يخبرني ببعض مضامينها في اللقاءات الفردية التي تجمعني معه).
[يصمت محيي واخذ يقلب القلم الذي بيده بعصبية ظاهرة وهو ينظر لسقف القاعة ثم قال وهو يتلعثم في الكلام]
( استمر هذا الاتصال ... هذا الاتصال ....مع النظام في سوريا اتذكر بهذه الصيغة الى حسب ما اذكر الى منتصف عام 76 ... ثم اخبرني انه بعد هذه الفترة ان صيغة العلاقة .. الـ .. صيغة العلاقة ....تغيرت قلت له لماذا تغيرت .. قال اتصل بي واحد من السفارة السورية اسمه العقيد حسين).

[يبدو الامر غريبا جدا ان وزير الصناعة ( محمد عايش ) كان يتجول دون حراسة ، ويذهب الى الموصل ويصل الحدود مع سوريا والادهى انه يدخلها ... ما هذا الهراء ! للعلم ... كل كادر الحماية الشخصية لكبار الشخصيات من جهاز المخابرات خصوصا الوزارات الحساسة . وحتى لو افترضنا ان الحراسة كانت لافراد على عدد اصابع اليد كانت المراقبة من بعيد سهلة جدا ولا اعتقد ان محمد عايش كان بهذا الغباء . ويتميز محمد عايش بأنه الوحيد الذي وقف وجها لوجه مع صدام ودار حوار ساخن بين الاثنين وكانت نتيجته ان صدام قطع لسان محمد عايش لانه تجرأ على ملاسنته، بل وصل الامر ان زوجة عايش تم اعتقالها وتعرضت الى التعذيب والاغتصاب امام زوجها ، وقد تم نقل بقية افراد عائلة محمد عايش الى مكان مجهول، يقال معسكر في الصحراء].
ويسترسل محيي عبد الحسين في سرد قصة المؤامرة المزعومة
(العقيد حسين كان هو حلقة الوصل بين ( قيادة التشكيلية السرية ) والنظام في سوريا . وكان يتصل به في بغداد (يقصد محمد عايش ) [ويحدق في سقف القاعة ... يحاول ان يتذكر جهد امكانه]. ( في احد الايام خابرني هاتفيا وقال لي ممكن تجي الى نادي ... العفو ليس نادي الى مطعم صدر القناة .. المطعم في القناة اعتقد بين ثمانية والنصف او التاسعة والحقيقة جئت الى المطعم ).
وقاطعه صدام ( مساءا ؟)
والتفت اليه محيي بسرعة جدا وقال نعم مساء ... مساء!
(( دخلت المطعم ونظرت ولم أجد احد ورجعت الى موقف السيارات اتمشى ..... فالحقيقة شفت من بعيد .. على بعد .. بعد 30 او 40 متر باتجاه .. اتجاه المنطقة القادمة من الفحامة محمد عايش .... المجرم محمد عايش معه هذا العقيد .. ال .. العقيد حسين يسيران معا ( يتمشون ) تقدمت منهم ... ناداني وعرفني على هذا الشخص قال لي نتمشى .. وكنا قريبين من السدة في اتجاه الفحامة وكان العقيد حسين يسأل محمد عايش وكان يجاوب عليه بالمباشر ومن ضمن الاسئلة ( كيف حال التنظيم والصلات المتاحة ) وكان يرد عليه ( جيدة ولدينا صلات عديدة )
واكد خلال مسيرنا ان نكون حذرين وان يكون التحرك بشكل سري اكثر)[ صمت محيي](.. كان التوجيه .. التوجيه بالكسب والتأثير و خصوصا الكوادر المتقدمة). [وصدام حسين جالسا يدخن السيجار الكوبي ينظر اليه ]
[كان طارق عزيز منشغل في تدوين شيء ما، وبرهان الدين عبدالرحمن يضع كفي يديه على انفه .. وكأنه لا يصدق او انه كان يفكر في شيء اخر .
صاحب البدلة البيضاء في الصف الاول .... سعدون شاكر ( رئيس جهاز المخابرات سابقا ) وزير الداخلية في حينها] .
 
حفنة من الدنانير
ويواصل : (واتذكر انه قال ( نحن مستعدين لتوفير كل طلباتكم التي تريدونها ) [ثم يصف العقيد حسين] ( شخص طويل القامة صاحب شوارب سود طويلة وشعره اعتيادي وعمره بحدود اربعين الى خمسين سنة).
( وفي الطريق سلم العقيد حسين المجرم محمد عايش مبلغ 30 الف دينار ثم غادرنا .. ورجعنا الى مطعم صدر القناة ويبدو انه ركن سيارته قريبا من المخيم الكشفي وكنت انظر له من بعيد ولم اعرف ارقام السيارة لا اتذكر ولكن كل ما اتذكره كانت سيارة من حجم صغير ).
[ملاحظة مهمة تكشف جزء من الحقيقة ، محيي قال انه شاهد الاثنين من اتجاه المنطقة القادمة من الفحامة، وان سيارة العقيد حسين مركونة امام المخيم الكشفي وهو على بعد قريب جدا من المطعم هل من المعقول ان لا يعرف سيارة صديقه الحميم محمد عايش؟]
ويستمر قائلا: ( وره بالضبط .. يعني .. اما يومين او يومين يعني صار .. صار .. صار اجتماع لي في اللجنة القيادية العليا واتذكر الاجتماع الاول ).
[صمت محيي وسحب نفسا من الهواء .. فيها حسرة من كان على امره مغلوب، وقال: (العفو صار يوم او يومين اجتماع اللجنة القيادية حسب ما اخبرني المجرم محمد عايش في داره بالذات وكانت اللجنة القيادية ..).
والتفت الى صدام يطلب الإذن بذكر الاسماء وتلقى الموافقة من صدام .
( كانت تضم اضافة الى المجرم محمد عايش .. المجرم غانم عبد الجليل والمجرم محمد محجوب والمجرم عدنان الحمداني .. نعم كان الاجتماع لتوزيع المبالغ النقدية .. نعم).
ثم ساد في القاعة هرج ولم يظهر التلفزيون العراقي ما حصل في القاعة. لكن محيي كرر كلمة نعم اربعة مرات خلال اربعين ثانية.
قال له صدام ( بعدك ما كنت عضو معاهم )
رد عليه محيي: ( لا بعدي ما كنت معهم ... رفيق ... هذا كله نقلا عن المجرم محمد عايش).
(( قال لي وزعنا المبالغ لكل واحد ويبدو المبلغ اكثر في حصة غانم عبد الجليل وباقي الفائض من المبلغ .. يبقى عنده ومحمد سلم لي مبلغ الف دينار .. الف دينار بالضبط على اساس اقدم منه لعدد من الكادر المتقدم واعطيت منه ... الى بدن فاضل بحدود 300 دينار).
الحكم
وهنا رد صدام بقوة : ( كل من يرد اسمه يقوم يردد الشعار ويطلع .... لا يكون بعثي خلي يكون في السجن ... كل من ورد اسمه ).
وحدث تلاسن .. ومن جديد لم يظهر شيء منه في التلفزيون عدا الصوت ورد صدام بحزم ( ماكو كلام )، ثم كرر بحزم : ( الذي يرد اسمه يردد الشعار ويخرج ).
[توضيح: مبلغ 30 الف دينار يعادل في ذلك الوقت اكثر من 90 الف دولار وهو مبلغ تافه لاحداث تغيير !).
الشعار هو ( امة عربية واحدة .... ذات رسالة خالدة )
بعد هذا الاجتماع لم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى تم إجبار البكر على تقديم استقالته من كافة مناصبه وإعلان تولي صدام حسين ... كامل السلطات والصلاحيات في العراق متخطياً الحزب وقيادته ومجلس قيادة الثورة وانظمة الحزب الداخلية التي تحدد قيامهم بالانتخاب الداخلي ، بما فيهم لرئيس البلاد في حالة خلو منصب الرئاسة .
كما ذكرت سابقا كان صدام نفسه قد أقر إن الخلاف في قيادة الحزب حدث بسبب تنحي الرئيس البكر، إذ طالب الفريق الأخر تطبيق لوائح مقررات الحزب في انتخاب امين عام للحزب ورئيس للبلاد لكن الفريق الأول، الذي كان يعلم انه يحظى بأصوات اقل داخل قيادة الحزب، في حين كانت سيطرته تامة على اجهزة الامن، لم يكن معني بتطبيق لوائح الحزب قط وكان يفضل قرار التصفية لكل معارض لمجرد الشك فقط .
اتذكر عندما قال حردان التكريتي للبكر في صباح اليوم التالي للثورة 18 تموز 1968 عندما سمع ان صدام سيكون ضمن المشاركين في صنع القرار . وسيحظى بمنصب، تقدم من البكر الذي كان ساهما ويدخن وقال له ساخراً ( أبو هيثم .. بدت رحمة الله )
يعني .. من أولها
والمعلوم إن صدام أصلا لم يخدم في الجيش العراقي قط ..  ولذلك كان يثير حفيظة العسكريين وشكوكهم. والنتيجة ...ان صدام قتل الاثنين معا، حيث قتل حردان التكريتي في مطار الكويت بالرصاص، في حين تقطعت أمعاء البكر بالسم، ليلحق بزوجته وابنه وهو يصرخ من الالم، وهم يتفرجون عليه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق